مؤتمر كليات التقنية العليا “الحوكمة والتعليم 2026” يناقش آليات الانتقال بالحوكمة من الامتثال إلى الأداء وتعزيز الثقة المؤسسية
اختتمت كليات التقنية العليا أعمال مؤتمر كليات التقنية العليا "الحوكمة والتعليم 2026"، الذي عُقد في مقر الكليات بالمدينة الأكاديمية في دبي، تحت شعار "تعزيز التميّز في حوكمة التعليم العالي" بمشاركة نخبة من قيادات الهيئات الرقابية والحوكمة والخبراء الدوليين، حيث ركزت النقاشات على صياغة أطر حديثة للحوكمة تدعم التنافسية وتواكب التطورات العالمية المتسارعة.
وناقش المؤتمر ضرورة إحداث تحول في مفاهيم الرقابة المؤسسية، من خلال الانتقال من التركيز على الامتثال وتطبيق اللوائح، إلى تبني ثقافة الأداء التي تجعل من الحوكمة ممكّناً للابتكار والمرونة، وداعماً رئيسياً لاتخاذ القرار المبني على الثقة والشفافية.
وافتُتحت فعاليات المؤتمر بكلمة لسعادة الدكتور فيصل العيان، مدير مجمع كليات التقنية العليا، أكد فيها أن المرحلة الراهنة تتطلب تحولاً حقيقياً في النهج، بحيث تكون الحوكمة ممارسة يومية وثقافة راسخة في منظومة العمل المؤسسي، وقال سعادة العيان: "إن استضافة هذه النخبة من الخبراء العالميين في كليات التقنية العليا تعكس التزامنا الراسخ بالتميز المؤسسي، وتضمن أن تكون أطر الحوكمة لدينا مرنة وقوية بما يكفي لدعم اقتصاد المستقبل من خلال بناء مؤسسات تعليمية قادرة على اتخاذ القرار بثقة وتمكين الكفاءات الوطنية من امتلاك المهارات والجاهزية المؤسسية التي يتطلبها المشهد الاقتصادي المتغير."
وعقب الكلمة الافتتاحية، ألقى سعادة محمود سالم العلوي، مدير عام قطاع الكفاءة المؤسسية في جهاز أبوظبي للمحاسبة، كلمة رئيسية قال فيها: "إن الحوكمة القوية تُعد الركيزة الأساسية لبناء السمعة المؤسسية وتعزيز الثقة العامة. وما نناقشه اليوم يؤكد أن المساءلة والرقابة الشفافة لا تُمارس بوصفها أدوات امتثال فقط، بل كممكنات استراتيجية تمكّن المؤسسات من العمل بكفاءة ومرونة، وتدعم قدرتها على تحقيق قيمة مضافة ومستدامة على المدى الطويل".
وتوالت جلسات المؤتمر لتتناول سبل تطبيق مفاهيم الحوكمة الحديثة في بيئة العمل المعاصرة. وفي هذا السياق، استعرض الدكتور راينر لينز، مدير إدارة التدقيق الداخلي لدى مجموعة SAF-HOLLAND من ألمانيا، والأستاذ الفخري في جامعة بريتوريا في جنوب إفريقيا، استراتيجيات التغلب على "رُهاب المسؤولية"، مؤكداً أن "الحوكمة الفعّالة لا تقوم على الضوابط الصارمة بقدر ما تعتمد على وضوح الأدوار، وترسيخ الحوكمة، وتحمل المسؤولية". ووصف منظومة الحوكمة بالـ "نظام البيئي المتكامل"، حيث يلعب المدققون الداخليون دور "راعي الحوكمة" The Gardner of Governance™، وهو مفهوم مجازي صاغه في العام 2021، ليؤدوا دوراً محورياً في تعزيز المساءلة ودعم الثقة، ورعاية التعلم المؤسسي، ومساعدة القيادات على اتخاذ قرارات مدروسة في بيئات عمل متغيرة.
وكان التحول من الأطر الجامدة إلى الرقابة المرتكزة على العنصر البشري محوراً رئيسياً للنقاش، حيث أكد عبدالقادر عبيد علي، رئيس مجلس إدارة جمعية المدققين الداخليين في دولة الإمارات (UAE IAA) والرئيس التنفيذي لشركة ماناف للطاقة، قائلاً: "نحن نشهد تحولاً جوهرياً من الحوكمة القائمة على القواعد الصارمة إلى تلك القائمة على الثقة. لقد أثبتت النقاشات اليوم أن القيادة الأخلاقية هي المحرك الحقيقي، وأنه متى ما تم إرساء الثقافة المؤسسية الصحيحة، فإن جودة القرارات تتحسن بشكل تلقائي".
وفي إطار توسيع نطاق الحوار ليشمل الممارسات العالمية، استعرض الدكتور أشرف جمال الدين، الرئيس التنفيذي لمعهد "حوكمة" لحوكمة الشركات، الركائز الأساسية للحوكمة المؤسسية. كما سلط الضوء على أهمية دمج معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) ضمن الاستراتيجيات المؤسسية.
كما سلط البروفيسور سامويل سيجاكا من كلية "مات أباكوس" للأعمال في كمبالا – أوغندا، الضوء على التداخل الحيوي بين الثقافة المؤسسية والحوكمة في بيئات العمل الحديثة.
وركزت الجلسات الختامية على تقاطع التكنولوجيا مع الرقابة، حيث قدم مارك توماس، رئيس شركة إسكوت للاستشارات في الولايات المتحدة، عرضاً حول "إدارة المخاطر في عصر الذكاء الاصطناعي والأتمتة والثقة الرقمية". واختتمت الفعاليات بجلسة نقاشية رفيعة المستوى أدارتها هالة بو علوان، المؤسس والمدير التنفيذي لشركة "هالة بو علوان القانونية"، حول "الحوكمة في الجامعات والكليات التطبيقية".
وفي ختام المؤتمر وحول مخرجاته، أشار كارم عبيد، مدير إدارة التدقيق الداخلي في كليات التقنية العليا ، قائلاً: "لم تعد الحوكمة الفعّالة اليوم تقتصر على مجرد الامتثال للوائح. لقد أكدت نقاشات المؤتمر أن النزاهة والشفافية والقيادة الأخلاقية يجب أن تكون في صلب عملية صنع القرار، لاسيما في ظل ما تواجهه المؤسسات من تعقيدات متزايدة ومتطلبات للتحول الرقمي".
وخلص المؤتمر في ختام أعماله إلى جملة من التوصيات التي ركزت على ضرورة ترجمة أطر الحوكمة إلى ممارسات عملية تعزز التميز المؤسسي. وأكد المشاركون على أهمية تعزيز قنوات الحوار والشراكة بين المؤسسات المختلفة والجهات الرقابية لتبادل الخبرات وتوحيد المعايير، بما يسهم في جعل "التميز في الحوكمة" معياراً مشتركاً لمختلف الجهات والمؤسسات، وركيزة أساسية لصناعة المستقبل ومواجهة تحديات العصر الرقمي بكفاءة واقتدار.